|
لم يحلموا يوما برؤية الكعبة، ولا بتقبيل الحجر الأسود, أو الصلاة في المسجد الحرام والطواف بالبيت العتيق, أو الجلوس في الروضة المشرفة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم أناس بسطاء, فقراء لا يملكون ما يكفي لسد الرمق ومواجهة متطلبات الحياة, ويعيشون في مناطق متفرقة, وسط أغلبية مسلمة أو كأقلية في بلد غير مسلم، بينهم وبين الأراضي المقدسة آلاف الكيلو مترات، تعليمهم محدود، ثقافتهم كذلك، معلوماتهم الدينية توارثوها عن أجدادهم أو من خلال المساجد والمصليات المحدودة في بلدانهم، وجدناهم في ركب حجاج خادم الحرمين الشريفين. ضمن برنامج الاستضافة الذي شمل ألف حاج، تمتعوا بأداء الفريضة على نفقة الملك الخاصة، وقامت بالإشراف عليهم وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.
"الوطن" رافقت هؤلاء الفقراء الذين تحقق حلمهم بأداء الفريضة، والتمتع بالعمرة وزيارة المسجد النبوي, ورصدت مشاعرهم وتعرفت على أحوالهم, وكيف كانت البشارة, والحلم الذي تحقق, فوراء كل واحد من هؤلاء قصة إنسانية مؤثرة، وموقف لا ينسى، كيف وجدوا أنفسهم في ركب حجيج الملك، في رحلة حج ملكية فاخرة.
لجان تشرف على خدمتهم وتنقلاتهم ومطعمهم ومشربهم, ودعاة وطلبة علم يعلمونهم أداء المناسك, وبرنامج دعوي حافل جمعهم بعلماء وطلبة علم ومشايخ وفقهاء, ومحاضرات وندوات ولقاءات دعوية لم تنقطع طوال رحلة الخمسة عشر يوما, وتكفل الملك بكل شيء حتى ملابس الإحرام وحقيبة الحاج، وجميع مستلزماتهم منذ البدء في الترتيب للرحلة حتى العودة سالمين غانمين إلى ديارهم.
حجاج من 30 دولة شملتهم المكرمة الملكية بالاستضافة، منهم المسؤولون والعلماء والأكاديميون والمفكرون ورؤساء الجمعيات والمراكز الإسلامية، وفيهم الفقراء من العوام والبسطاء من الناس، وفيهم الفئات العمرية من ابن الخامسة والعشرين من الشباب, وفيهم الطاعن في السن الذي تجاوز الخامسة والستين من العمر, فيهم صاحب البشرة السوداء القادم من الكاميرون وموريشيوس وأوغندا وكينيا وجنوب إفريقيا، وفيهم صاحب البشرة البيضاء القادم من أوروبا وقرقيزيا وطاجكستان ورومانيا، فيهم من يحمل أرقى الدرجات العلمية, وأيضا من بينهم سائق الدراجة النارية والطباخ ومدرس التحفيظ والموظف الإداري البسيط ومتعهد التغذية والطالب الجامعي.
وفي الوقت الذي اهتم الإعلام المقروء والمسموع والمرئي, بكبار الشخصيات من المسؤولين وصناع القرار, والمفكرين والعلماء الذين جاؤوا لأداء فريضة الحج, وأجريت معهم الحوارات واللقاءات المتلفزة لرصد مشاعرهم، وسلطت الأضواء على أهل الفكر والثقافة ورجالات الإعلام وأهل الفن الذين وفدوا للديار المقدسة بحكم الشهرة والوجود في الأضواء، توارى البسطاء عن الأضواء ولم يحظوا بالاهتمام, نظرا لأنهم ليسوا محل شهرة, ولا يهمهم من الدنيا سوى تحقيق الحلم الذي من الله عليهم بتحقيقه، فاغتنموا الفرصة بالإكثار من الدعاء والمكوث أطول الفترات في البيت العتيق، يحمدون الله ويشكرونه في أيام معدودات ويطوفون ويسعون ويسبحون ويذكرون الله كثيرا.
قصة وراء كل حاج
اقتربنا من هؤلاء الحجاج البسطاء، ورصدنا مشاعر الفرح والسرور والحبور، بالمكرمة الملكية والحلم الذي تحقق بأداء الفريضة, والحزن والتأثر وهم يفارقون الأراضي المقدسة عائدين إلى ديارهم سالمين، فوراء كل واحد من هؤلاء قصة يجب أن تروى، بسيطة في روايتها، عميقة في مشاعرها وقوية في التعبير عن الأحاسيس المسلمة من رجال بسطاء فقراء لم يروا الكعبة المشرفة إلا من خلال صور التلفاز أو في الصحف، ولم يكونوا يتوقعون يوما أن يؤدوا الفريضة أو حتى الخروج من المناطق التي يعيشون فيها، لظروفهم الاقتصادية الصعبة، ودخولهم التي بالكاد تفي بمتطلباتهم الحياتية.
فلم تكن قصة (ميدي) سائق الدراجة النارية التقليدية الإندونيسي الذي يعيش على أجره اليومي البسيط، أغرب من قصة (يلماظ) العامل ومتعهد توريد الأرز لإحدى المدارس في قبرص التركية, أو من قصة (الزاهد أحمد) الذي يعمل في وظيفة إدارية متواضعة في جنوب إفريقيا، ولا هي من الغرابة من قصة حج (شاه برهي) محفظ القرآن الكريم في (موريشيوس) أو من الطالب الجامعي الذي يضطر للعمل في الفترة المسائية لينفق على أسرته في (ألبانيا). أو من (جيوفاني) الطباخ الإيطالي، ولا من قصص أكثر من 15 مسلما جديدا ممن مَن الله عليهم بالإسلام وهم من ذوي الأصول الأوروبية جاؤوا من بلدان مختلفة ليؤدوا الفريضة في ركب حجاج ضيوف خادم الحرمين الشريفين.
"الوطن" رافقت أولئك البسطاء من ضيوف خادم الحرمين في مقر سكنهم الفاخر في منطقة العزيزية بمكة المكرمة, والذي أعدته لهم اللجنة العليا التي أشرفت على حجهم من وزارة الشؤون الإسلامية, ورصدت مشاعر الفرح الغامرة عندما وطئت أقدامهم مطار الملك عبدالعزيز بجدة، ودموع الحزن وهم يغادرون البقاع المقدسة عائدين إلى ديارهم، بعد أداء فريضة الحج والعمرة والتمتع بالزيارة، ورافقناهم في مخيمهم بمنى, وكنا معهم على صعيد عرفات وفي نفرتهم لمزدلفة وصاحبناهم في رمي الجمرات وفي الطواف والسعي والتمتع بالبقاء في المسجد الحرام، ورصدنا مشاعرهم وهم يزورون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصلون في الروضة المشرفة.
فرح وحزن
تعرفنا على قصة كل واحد منهم وأحواله وما يجول بخاطره، ورصدنا المشاعر والدموع المنهمرة من الأعين وهم يدخلون المسجد الحرام من باب الملك عبدالعزيز لأول مرة ومشاعر الفرح وهم يشاهدون الكعبة المشرفة، وماذا تعني هذه الرحلة لهم والتي لم تخطر ببالهم يوما؟
فقراء في حج vip
وفي لقاءات مع حجاج لم يكونوا يحلمون بأداء فريضة الحج، أو تكن تراودهم أحلامهم بالسفر لأداء المناسك لظروفهم الاقتصادية.
في البداية يقول (عبدالله باليو) الطالب الجامعي الذي يعيش في إحدى مناطق (الباسان) بألبانيا والذي يبلغ من العمر 25 سنة، وهو متزوج ويعمل عملا إضافيا في الفترة المسائية للإنفاق على أسرته: لم أكن أحلم بزيارة الأراضي المقدسة، أو حتى السفر إلى خارج ألبانيا، الإمكانات المادية لا تسمح، بالكاد تكفي حاجاتنا الأساسية، فلا أملك حتى ثمن تذكرة طائرة، وكانت الأمنية أن أحج وأزور الديار المقدسة، ورؤية الكعبة التي أتوجه إليها بالصلاة خمس مرات في اليوم، وهذا ما حققه لي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في برنامج الاستضافة.
ويضيف (باليو) والدموع تنهمر من عينيه وهو يغادر المسجد الحرام متوجها إلى المدينة المنورة قائلا: مشاعري لا توصف، وأنا أقف أمام الكعبة المشرفة لأول مرة، فلم أكن أحلم برؤية الكعبة، وحقق الله لي ما كنت أحلم به، إنها لحظات فارقة في حياتي، أسال الله أن يجزل العطاء لمن تكفل بحجنا وحقق لنا حلمنا.
ويقول (باليو): إنه لأول مرة يسمع خطبة جمعة مباشرة شاملة وهي التي سمعها في رحاب عرفات من سماحة مفتي عام المملكة، ويقول: نحن في حاجة إلى خطب كبار العلماء والدعاة لتكون زادا لنا وعونا على القيام بواجبنا الدعوي.
حلم العمر
جوفاني (طباخ إيطالي) اعتنق الإسلام منذ 3 أعوام وهو من أصل إيطالي, ويتردد على المركز الإسلامي في ميلانو، وتعلم بعض الكلمات والجمل العربية يحمد الله أن تحققت أمنيته بالحج، ويرى أهمية الدعوة إلى الله وتعريف غير المسلمين بالإسلام، فحتى الآن هناك جهل كبير بين الأوروبيين بالإسلام وسماحته, وكل ما ينقل إليهم عن الإسلام والمسلمين سلبي، ويقول (جوفاني): إن الحج حقق له حلم العمر فلم يكن بمقدوره أداء الحج على نفقته الخاصة.
أوضاعنا لا تسمح
محمد أبخاري (السنغال) محفظ لكتاب الله في مركز الدعوة الإسلامية، في إحدى ضواحي السنغال الفقيرة, والتابع لمسجد بني عبيدة يصف رحلته للأراضي المقدسة بأنها كانت أمله في الحياة الدنيا ويقول: الحمد لله أن مَن الله علي بهذا الحج المبروك, كم كنت أدعو الله في سري وجهري وأنا الموظف البسيط الذي لا يتجاوز دخله الخمسين دولارا في الشهر أن أحج, كنت كل عام أتابع ركب الحجيج أمام التلفاز، والعين تذرف الدمع حبا في حج مبرور وزيارة لمسجد المصطفى عليه الصلاة والسلام، وها هو الحلم يتحقق بحج vip من ملك كريم، لا يدخر جهدا إلا وقدمه لخدمة الإسلام والمسلمين.
ويضيف (أبخاري) قائلا: الآن حقق الله لي مناي، واستجاب لدعائي، وأنا أقف أمام الكعبة، وأصلي في المسجد الحرام وأطوف وأسعى بين الصفا والمروة، وأزور المدينة المنورة، نحمد الله على النعمة، فكلنا نعرف الأوضاع الاقتصادية للشعب السنغالي، وأن الأغلبية تعيش دون المستوى.
وعن مواقف لا تنسى في رحلته يقول (أبخاري): المواقف في هذه الرحلة المباركة التي لا تنسى كثيرة، قطعا أولها عندما أخبرت باختياري ضمن حجاج ضيوف خادم الحرمين الشريفين، فكنت أطير فرحا بهذه المكرمة, كذلك عندما ارتدينا ملابس الإحرام في الطائرة، وعندما هبطت الطائرة في المطار، والفرحة العارمة عندما دخلت المسجد الحرام لأول مرة والرغبة والرهبة وأن تدخل الحرم وتجد الكعبة المشرفة أمامك، إنها رحلة العمر التي لا تنسى أسأل الله القبول.
دموع...ودموع
ويقول محمد سوكارو (رومانيا): الفرحة لا توصف نحن القادمون من رومانيا, ونحن مجرد أناس عاديين لا نملك ثمن رحلة الحج للديار المقدسة, ولقد من الله علينا وحقق الملك عبدالله بن عبدالعزيز حلمنا، وعن إبلاغه باسمه ضمن ضيوف الملك في الحج قال: لم نصدق عندما أخبرنا المسؤول بالسفارة السعودية الخبر, وطلبوا منا إحضار أوراقنا وجوازات سفرنا والاستعداد للرحلة, وعن أثر ما بعد الحج كمسلم يعيش وسط أغلبية غير مسلمة قال (سوكارو): بالقطع سيكون لهذه الرحلة أثرها على عملنا في مجال الدعوة بين الرومانيين, وإظهار محاسن ديننا, لقد نلنا إضافة إلى أداء الفريضة جرعة دعوية من المشايخ والدعاة ونسأل الله أن نقوم بواجبنا، ويبكي (سوكارو) وهو يودع الكعبة المشرفة، ويدعو الله عز وجل ألا يحرمه من زيارتها.
التوعية والإرشاد
إسماعيل غمدية (نيوزيلندا) يقطن في منطقة (ويكاتو), ويعمل موظفا بسيطا، ودخله محدود، وله نشاط في الجمعية الإسلامية بويكاتو في مجال دعوة وإرشاد المسلمين والخطابة والإمامة، ويرى (غمدية): أن وجوده في الديار المقدسة أكبر هدية له فقد حقق أمله في الحج, فلم يكن يتوقع أداء الفريضة، أو الزيارة للأماكن المقدسة, وحقق له خادم الحرمين الشريفين هذا الحلم, ويقول: لقد آثرت الملك عبدالله بالدعاء له ولإخوانه ولولاة أمر هذه البلاد المكرمة على ما يقدمونه لخدمة الإسلام.
ويقول (غمدية): إن التآلف والتعاون الذي شاهده في برنامج الاستضافة، وجرعة العلم الشرعي واللقاء بالمشايخ والدعاة كلها سوف يكون لها مردودها في عمله الدعوي من خلال الجمعية الإسلامية بالمنطقة التي يعيش فيها, ويصف مشاعر مغادرته للأراضي المقدسة بعد انتهاء البرنامج بقوله: نحزن لفراق الديار المقدسة، ولفراق المسجد الحرام ولكن نحمد الله أن أدينا المناسك بكل يسر وسهولة.
عرفانا بالجميل
ويقول (أرمون يوهان - إندونيسي):عشنا في ركب حجاج ضيوف خادم الحرمين الشريفين أحلى أيام العمر, كل شيء كان معداً بشكل جيد, اللجنة المسؤولة عن الاستضافة قامت بدورها على خير وجه، الدعاء لخادم الحرمين بالتوفيق والسداد كان ديدننا أثناء أداء المشاعر خاصة يوم عرفات, لأنه الذي حقق لنا الحلم في الحج والزيارة.
ويضيف قائلا: أنا موظف إداري ودخلي محدود جدا، وأعول أسرة كبيرة والحج بالنسبة لي كان خارج الاستطاعة, ولكن كان الدعاء مني، والحمد لله استجاب الله لي، فقد فوجئت بالملحق الديني في سفارة خادم الحرمين الشريفين بجاكرتا يتصل بي ويخبرني باختياري ضمن حجاج ضيوف الملك لهذا العام، لم أصدق الخبر وهرعت للسفارة وتأكدت منه، أما عن شعوري فهو شعور مسلم حقق له الملك عبدالله بن عبدالعزيز أغلى أمنية له في حياته فجزاه الله خيرا.
بين اليونان وتركيا
* يلماظ عبدالله (35 سنة - مورد أرز لمدرسة في منطقة (ليفكوشه) بقبرص التركية، متزوج وأب لثلاثة أبناء أكبرهم عمره 7 سنوات، وأصغرهم عمره لا يزيد عن العامين يقول: عندما اتصل بي رئيس الجمعية الإسلامية في لفقوسة وقال لي: أتريد الحج هذا العام؟ أجبته بلا؟ من لا يريد الحج، وتوقعت أنه يمزح لأنه يعلم أن دخلي على قدر الحال ولا يسمح بالسفر للأراضي المقدسة, وعندما أخبرته بكيف أحج؟ قال: إنه تم اختياري ضمن الـ20 شخصا لتأدية مناسك الحج على نفقة خادم الحرمين الشريفين.
ويضيف "أسرعت إلى زوجتي لأخبرها بالخبر المبارك، والمكرمة الملكية التي لم أتوقع أن أكون فيها وأنا الرجل العادي، وثمن (يلماظ) المكرمة الملكية وسأل الله أن يحفظ قادة المملكة وشعبها، وقال: مشاعرنا لا توصف ونحن نؤدي الفريضة ضمن ضيوف خادم الحرمين الشريفين، وإن هذه الرحلة سيكون لها تأثيرها على مجرى حياتنا, فديننا أغلى علينا من كل شيء ولابد أن نعمل له، وعن أمنياته قال يلماظ: أمنيتي أن تحج زوجتي اسأل الله أن يكتب لها الحج، لقد دعوت الله لها بأن تنال الحج.
سائق الدراجة النارية
أما (ميدي) سائق الدراجة النارية الذي يعمل بأجر يومي يجوب به الشوارع لتوصيل الركاب إلى مقار أعمالهم وإعادتهم إلى منازلهم أو توصيلهم لأداء أغراضهم نظير أجر زهيد فقد كان موضع الاهتمام من القائمين على برنامج الاستضافة نظرا لبساطة الرجل وبكائه الذي لم ينقطع طوال الرحلة ودعائه لمن يسر له أمر الحج.
(ميدي) أب لأسرة كبيرة العدد يقطن في منطقة فقيرة, لا يملك سوى أجره اليومي، وكأي مسلم يحلم برؤية الكعبة وأداء الفريضة، وكانت نفسه تهفو لزيارة الديار المقدسة وهو يشاهد جموع الحجيج والمعتمرين أمام السفارة السعودية في جاكرتا لإتمام إجراءات السفر, وقد اختير من بين الـ78 إندونيسيا للحج على نفقة خادم الحرمين الشريفين، ويقول (ميدي) لم أتمالك نفسي من شدة الفرح عندما علمت بخبر الذهاب للحج، سجدت لله شكرا وتضرعت إلى الله أن يحفظ الملك عبدالله على مكرماته للمسلمين.
ويقول (ميدي) لقد آثرت أن أقضي أكثر الأوقات في رحاب المسجد الحرام كنت أجلس أمام الكعبة كي أمتع عيوني بها، أعرف أن الأعمار بيد الله، وكل شيء بقدره، وأعرف أنني قد لا أشاهدها مرة أخرى لذلك كنت أقضي معظم الوقت بجوارها أسال الله القبول. أعتقد أنني عشت في حلم جميل منذ أن وصلت إلى هنا حتى المغادرة والعودة للديار.
ويصف (الزاهد أحمد - جنوب إفريقيا) مشاعره وهو ينتهي من مناسك الحج بأنها شعور مسلم دعا ربه أن يحقق له أمله في الحج فاستجاب الله له، ويضيف: أشعر بالرضا التام وأن الله منَّ علي بهذه المكرمة من لدن خادم الحرمين الشريفين وعلي أن أقوم بدوري بتصحيح صورة الإسلام، والتعريف بدين الله، وثمن الزاهد دور المملكة في خدمة هذا الدين ويقول: إن جهود السعودية لخدمة الإسلام لا ينكرها إلا جاحد وهي موضع الثناء والتقدير من المليار مسلم.
ويقول (الزاهد): إن المسلمين في جنوب إفريقيا يشكلون أكثر من مليون ونصف المليون من أصل 45 مليونا، ومعظمهم ينحدرون من أصول إما هندية أو ماليزية، ومتأثرون بالمدرسة (الديبوندية) الهندية، وتعتبر الجالية المسلمة الأكثر تآلفا وتماسكا، ولها مدارسها ومساجدها التي شيدتها بالجهود الذاتية.
مشاعر لا توصف
وأكد المدير التنفيذي لبرنامج الاستضافة الشيخ عبدالمجيد العمري على المشاعر الدافقة والمؤثرة لهؤلاء وقال: لقد شاهدنا مشاعر تأثر شديد من هؤلاء البسطاء من الناس، أبكتنا ونحن نراهم يبكون تأثرا بمقدمهم للأراضي المقدسة، وأداء الفريضة على نفقة خادم الحرمين الشريفين، مشاعر لا توصف حرارتها عند الاستقبال، ومشاعر حزن لا توصف عند الرحيل إلى ديارهم وهم يحسون أنهم قد لا يرون الأراضي المقدسة مرة أخرى، دموع الفرح لا تقاوم ودموع الحزن على الرحيل أيضا، هم أناس بسطاء لم ينالوا من العلم الدنيوي إلا قليلا، مشاعرهم هي التي تتحدث بما تعجز عنه الكلمات عن التعبير به، عيون تدمع، وألسن تلهج بالدعاء لمن تحمل نفقات حجهم وحقق حلمهم.
وعن كيفية اختيار هؤلاء في برنامج الاستضافة، قال الشيخ العمري: إن برنامج الاستضافة كما يشمل بارزين من علماء ومسؤولين في هذه الدول، فإنه يشمل أيضاً رؤساء مراكز وجمعيات إسلامية وحفظة كتاب الله، وأيضا يضم مسلمين من عوام الناس يرغبون في أداء فريضة الحج، ولا يستطيعون على ذلك، كما يشمل نسبة من المسلمين الجدد وعدداً من النساء بمحارمهن، وبالنسبة للعوام من المسلمين فهم يمثلون شريحة في البرنامج، ونجد تأثرهم شديداً بالمكرمة وبأداء الفريضة، وتفاعلهم مع البرامج التي أعدت لهم، فالفئات التي يتم استضافتها في المكرمة تحقق روح التآلف والتعاون بين أبناء الأمة الإسلامية، وتجانساً مع أبناء الأقليات المسلمة، بغض النظر عن اللون والجنس والأصل والقومية والموطن.
ويضيف العمري قائلا: إننا وجدنا من هؤلاء البسطاء من الحجاج، الإقبال الشديد على تعلم المناسك، والحرص الشديد على أدائها، والالتزام بالضوابط الشرعية، والتفاعل مع المشرفين، والسؤال عن صحيح الدين وتعلمه والبعد عن الجدال غير المفيد، وقد وفرنا لهم مترجمين بلغاتهم لنقل المعلومات لهم وترجمة الدروس والإرشادات، وكذلك ترجمات معاني القرآن الكريم باللغات التي يتحدثون بها، كذلك إنتاج مجمع الملك فهد لطباعة المصحف من التلاوات القرآنية لمشاهير القراء.
وأضاف العمري عندما يستمع المرء لقصص هؤلاء المسلمين العوام وكيف استقبلوا خبر استضافتهم، أو قصص دخول المسلمين الجدد في دين الله، والأثر الكبير الذي تركته عليهم زيارتهم للأراضي المقدسة، يدرك تماما أهمية العمل الدعوي بينهم وضرورته، والواجبات الملقاة على عاتق الدعاة، والفطرة السليمة التي يعيش عليها هؤلاء البسطاء ورغبتهم في معرفة الدعوة الصحيحة. وحب العمل لهذا الدين، وتقديم الصورة الصحيحة للإسلام في تعاملاتهم وسط مجتمعاتهم التي يعيشون في كنفها إن كانت مجتمعات أغلبيتها لا تدين بالإسلام والمسلمون بها أقلية، فإذا كان المسلم طباخاً أو سائقاً أو موظفاً بسيطاً أو مهنياً متواضعاً فإنه يتعامل مع غير المسلم وعليه أن يعكس صورة دينه الصحيحة لغير المسلم لتصحيح الصورة المشوهة عن ديننا.
الفهم الصحيح للإسلام
من جهته يرى رئيس اللجنة الشرعية في برنامج الاستضافة الشيخ عبدالمنعم المشوح: "أن التركيز على المفاهيم الصحيحة للإسلام كان محور عملنا في البرنامج، لأننا نخاطب أناساً مستوياتهم العلمية والثقافية والشرعية مختلفة، كذلك أناساً من أجناس وبيئات ودول متفرقة، وضيوفاً تتفاوت أعمارهم فهناك الشباب في سن الخامسة والعشرين وهؤلاء أغلبهم من المسلمين الجدد الذين دخلوا في الإسلام حديثا، ويوجد أكثر من خمسة عشر شابا، وهم من ذوي الأصول الأوروبية، وهناك من أعمارهم فوق الستين، ولذلك كان تركيزنا في إعداد خطاب دعوي واضح ومحدد لا لبس فيه، يهدف إلى توصيل المعلومات الصحيحة عن الإسلام، وجل تركيزنا على الأصول التي يتفق عليها المسلمون جميعا، أما الاختلافات في الفروع فكنا نشير إليها بأن الأمر فيه متسع، ونطالب بالابتعاد عما يفرق المسلمين، وكثفنا الدعوة لدى الشباب، لخصوصية هذه الفئة التي ستحمل هم الدعوة، وأوضحنا لهم الدور المطلوب منهم كدعاة يحملون هم الدين، ويريدون تصحيح الصورة المغلوطة عنه، ومواجهة الحملة الشرسة على الله ورسوله والتي طالت ثوابت الدين، وأن يكون ذلك وفق النظم والقوانين والوسائل المشروعة، والتحذير من مغبة التطرف أيا كان نوعه.
وبخصوص الخطاب الدعوي الموجه للعوام من الحجاج الذين شملتهم الاستضافة قال الشيخ المشوح: إن تركيزنا كله مع هؤلاء على تصحيح العبادات، وتفهمهم صحيح الدين وما المطلوب من المسلم أيا كان موقعه أو موطنه أو عمله، لأنه يحمل هم الإسلام والدعوة إلى الله، ولقد لمسنا من هؤلاء الاستجابة العارمة في المعرفة والالتزام، والرغبة في المزيد من العلم الشرعي، وكان حرصنا على أن يجالس هؤلاء الدعاة وطلبة العلم والمشايخ والترجمة لهم، ومما حقق التجانس بين الضيوف حرصنا أن نسكن كل حجاج دولة مع بعضهم البعض سواء في سكن العزيزية أو في المخيمات في منى وعرفات، وتوفير داعية شرعي ومترجم لكل مجموعة، كذلك كانت هناك محاضرات عامة يقوم المترجمون بترجمتها فوريا للحجاج.
مسابقات شرعية
وقد قامت اللجنة الشرعية بتنظيم مسابقات شرعية بين الحجاج من ضيوف خادم الحرمين الشريفين أشرف عليها الشيخ عبدالمنعم المشوح، وكان التركيز فيها على فقه الحج والعبادات والحوار مع غير المسلمين وكيفية التعايش معهم والتكيف المعيشي معهم، وأظهرت المسابقات المهارات الكامنة لدى البعض من الجنسيات المختلفة. ويقول الشيخ المشوح: إننا أردنا من خلال هذه المسابقات اختبار المخزون الشرعي لدى الحجاج والذي حرصنا على إيجاده منذ الساعات الأولى لوصولهم للديار المقدسة، والتأكيد على نقاط محددة وهي: معرفة الدين الصحيح، الوسطية والاعتدال، تصحيح المناسك، التعايش مع غير المسلمين.
وقال الشيخ المشوح: نحن ندرك أن هؤلاء الحجاج يعيش أغلبهم بين أغلبية غير مسلمة فيها اليهودي والنصراني والهندوسي والبوذي، ولذلك كان التركيز على معايشة المسلم لغير المسلم مع الاحتفاظ بدينه وعقيدته، ودون تجريح لعقائد الآخرين، ولقد وجدنا تجاوبا كبيرا من الحجاج في القضايا التي كنا نوليها الاهتمام خاصة إيجابية المسلم في المجتمع الذي يعيش فيه، ومخالطة المجتمع والتوافق معه، والالتزام بالنظم والقوانين، والتمسك بشرع الله.
|